إن تحكيم شرع الله في كل شؤون الحياة أمر ضروري لصلاح هذه الحياة واستقرارها، وقد دل على هذه الضرورة العقل والشرع معاً؛ أما العقل فهو قاض بأن هذا الخالق العظيم الذي
أتقن كل شيء صنعه، أعلم بخلقه وبما يصلحهم وما يفسدهم، وقاض كذلك بأن هذا الخالق العظيم الذي دل إحسانه إلى خلقه بالنعم على رحمته ورأفته بهم، لا يمكن أن يكون في تشريعه إلا ما هو كفيل بتحقيق سعادة
الدارين لهم
وأما الشرع فقد دل على أن تحكيم شرع غيره سبحانه وتعالى يعني اتخاذ هذا الغير إلهاً مع الله أو من دونه، قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ
شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، وبهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]، قال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم
شيئاً حرموه» (1)، وإذا كان اتخاذ آلهة مع الله يفسد على الناس آخرتهم فإنه يفسد عليهم دنياهم كذلك، قال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ
لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، فدل هذا على أن اتخاذ شرع غير شرع الله سبب عظيم من أسباب الفساد واختلال الأمور
لقد قامت هذه البلاد بفضل الله منذ اليوم الأول لنشأتها وتأسيسها على تحكيم شرع الله عز وجل في كل شؤونها، فجنى أهلها من بركات ذلك من الأمن والاستقرار ورغد العيش وغير
ذلك من النعم ما لا يحصيه أحد إلا الله، وهو الأمر الذي ينبغي أن يحافظ عليه الجميع ويحرصوا عليه حرصهم على أنفسهم وأبنائهم أو أشد، لأن المفرط في كل هذا أشبه بمن نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، ومن
يفعل ذلك فقد حق عليه قوله تعالى: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ البقرة: 61
Commenter cet article