وقد شهِد تاريخ الرعيل الأوَّل مِن جولة المسلمين ألوانًا من الاختلاف، انتهتْ بمحبَّة ووئام، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَستشير أصحابه، وقد يظهر أحدُهم برأي
مختلف، ويبدو للنبيِّ صلى الله عليه وسلم صواب ما رآه صاحبُه، فيعدل عن رأيه الذي رآه، وتنتهي القضيةُ باختيار ما هو أكثرُ نفعًا للمسلمين.
واختلف الصحابةُ فيما بينهم في قضايا فقهيَّة متعدِّدة، كل منهم له فيها اجتهادٌ يراه صائبًا، وهم مع اختلافهم يستبقون الحبَّ والمودة فيما بينهم، وتبقَى اجتهاداتهم
المختلفة مصدرًا خصبًا يلوذ به كلُّ فقيه أو مجتهد في أيِّ عصر من العصور.
وما دامتِ القضية لم يَرِدْ فيها نصٌّ قاطع، فلا حرج في تعدُّد الاجتهادات.
ومِن هنا تعدَّدت مذاهبُ الفقه، وكثُر الأئمة والمجتهدون، واتَّخذ المسلمون منهم في العصور التالية أعلامًا أفذاذًا يسترشدون بما لهم مِن شروح وتفسيرات، وما لهم مِن
استنتاجات واستنباطات.
وهؤلاءِ الفقهاء الأعلام أنفسُهم حذَّروا الجماهير المسلِمة من تقديس اجتهاداتهم، وألاَّ يأخذوا من مذاهبِ الفقه منابرَ للتعصُّب، وبثِّ سموم الأحقاد، وتحويل الاختلاف
إلى فرقة باغية، وثبَت عنهم كلماتٌ تكشف منهجهم، فمن ذلك: قولُ أبي حنيفة: "إذا وجدتُم كلامي يخالف كلام رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فخُذوا بكلام رسولِ الله صلى الله عليه وسلم واضربوا بكلامي عُرْضَ
الحائط"، وكذلك قول الإمام مالك: "كلُّ إنسان يُؤخَذ من كلامه ويُردُّ، إلا صاحب هذا القَبْر"، مشيرًا إلى قبر رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وقال الإمام الشافعي: "إن صحَّ الحديث فهو مذهبي، كما قال:
"لا تُقلِّدوني ولا تقلدوا مالكًا، ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخُذُوا من حيثُ أخذوا".
كما يلفِتُ نظرَنا حفاظُهم على توقير كلٍّ منهم لصاحبه، وهم ما بيْن تلميذ وأستاذ، يقول الشافعي: "الناس في الفِقه عِيالٌ على أبي حنيفة"، وذلك شهادةٌ منه بأستاذيته،
وتقديرًا لفقهه، وهو الإمام الأعظم
Commenter cet article