و روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي صلى الله عليه و سلم قبر أمه فبكى و أبكى من حوله فقال استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي و استأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت
هكذا فإن الإنسان الذي نسي أو تناسى الموت ووضعه وراء ظهره؛ لا يسعد نفسه في تعامله مع الدنيا ولا يسعد إخوانه، بل لابد أن يكون عبئاً على نفسه ولابد أن يكون أيضاً عبئاً على إخوانه في المجتمع الذي هو فيه، يؤثر نفسه على الآخرين يغمر دون حدود، دون قيود، دون ضوابط.
ولكنه إذا وضع مشروع تعامله مع الحياة التي يعيشها ووضع في الخطوة الأولى من هذا المشروع صورة الواقع الذي يعيشه، وعلم أن الموت هو النهاية وهو المرحلة الأخرى لكل مغامراته وأعماله، ثم وضع هذه النهاية من حياته في بوابة تعامله مع الحياة كما نبه بيان الله سبحانه وتعالى، فإنه يقبل على الحياة الدنيا ومعايشها؛ لكن لا إقبال العاشق النهم، بل إقبال الموظف الذي أقامه الله عز وجل على ثغر كلفه بمَلْئِه. يقبل على تجارته، صناعته، زراعته، أعماله إقبال من كلفه الله سبحانه وتعالى بذلك يجد بيانَ الله عز وجل يقول: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 67/15] يقول لبيك يارب. يمارس أعماله ووظائفه وهو يحسِب في كل ليلة أن الموت ربما سيواجهه في صباح اليوم التالي. إقباله على الدنيا إقبال الموظف، ومن ثَمَّ فإذا دعا الداعي إلى الإيثار آثر، وإذا دعا الداعي إلى ضبط النفس وعدم تَمَيُّعها وسيرها في سكك الحياة المتنوعة. وإذا دعا الداعي إلى أن يسير طبق النهج الذي رسمه الله قال: لبيك. ومن ثمَّ فهو يُسعد نفسه بالمال الذي يجمعه، ويسعد مجتمعه أيضاً؛ لأنه لا يصبح عندئذ عبئاً على أفراد المجتمع بل يصبح عوناً لأفراد المجتمع بفضل أي شيء؟ بفضل أنه وضع الموت مدخلاً لتعامله مع الحياة. مامن خطوة يخطوها إلا وهو يعلم أن نهاية عمله هو الموت. وما الموت؟ التحول من الحياة الدنيا إلى الحياة البرزخية، الإقدام على الله سبحانه وتعالى.
Commenter cet article