الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فلقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن مَن ترك ما ينفعه وهو قادر على الانتفاع به ابتلي بالاشتغال بما يضره، فمن ترك الحق ابتلي بالباطل، ومن ترك عبادة الله عز وجل ابتلي
بعبادة غيره، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذل لربه عز وجل ابتلي بالذل للعبيد.
وعلمانيو هذا العصر وزنادقته وملاحدته وخصوصًا بعض الكتاب والمفكرين، ومن يسمون أنفسهم بالمبدعين، لما تركوا الاشتغال بما ينفعهم ابتلاهم الله عز وجل بالاشتغال بما
يضرهم.
والمسلم من حيث كونه مسلمًا يشهد "أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" يجب عليه أن ينشغل بتحقيق معنى هذه الكلمة ولا يكتفي بترديدها باللسان فقط، بل عليه أن يؤمن
بها بقلبه، ويتيقن أنه لا معبود بحق إلا الله تعالى، وتقوم جوارحه بالعمل لتحقيق ذلك واقعًا ملموسًا عمليًا يصرف من خلاله جميع العبادات ظاهرها وباطنها لله عز وجل وحده، متبعًا في ذلك منهج رسول الله
صلى الله عليه وسلم وشرعته، داعيًا الناس مِن حوله إلى تحقيق ذلك، آمرًا بالمعروف بكل صوره، ناهيًا عن المنكر بكل أشكاله، صالحًا في نفسه، مُصلحًا للخلق من حوله مهما كان موقعه، مؤمنًا إيمانًا لا شك
فيه ولا تردد أن هذه هي الغاية التي خلقه الله عز وجل من أجلها، وأن هذا هو الطريق لتحقيق سعادته في الدنيا والآخرة؛ قال عزَّ من قائل
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ
الذاريات: 56
وقال أيضًا
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
[آل عمران: 110
Commenter cet article