وأمّا هذه الدنيا : فهي غزارة ضرارة حائلة زائلة، لا تعدو أن تكون بزخرفها كما قال الله تعالى : {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ}
[الكهف:45].
إنه ما بين أحدنا وبين الجنة أو النار إلا الموت أن ينزل به، وإن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة مهما طالت، وإن غائبا يحدوه الجديدان الليل والنهار
لحري بسرعة الأوبة، فرحم الله امرأ قدم توبته وغالب شهوته فإن أجله مستور عنه وأمله خادع له، والشيطان موكل به يزين له المعصية والتفريط ليركبهما ويمنيه التوبة ليسوفها {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} [النساء:120]. فالبدار البدار قبل مفاجأة الأجل، فلو أن أحدا يجد إلى البقاء نفقا في الأرض أو سلما
في السماء دون أن يقضى عليه بالموت، لكان ذلك لسليمان بن داود عليه السلام الذي سخر الله له ملك و {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ
أَصَابَ(36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ(37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38)} [ص:36-38]، هذا مع نبوته وعظيم زلفته غير أنّه لما استوفى طعمته واستكمل مدته رماه قوس
الفناء بنبال الموت وأصبحت الديار منه خالية وورثها قوم آخرون.
وإنّ لكم في القرون السالفة لعبرة وإلّا فأين العمالقة؟! وأين الفراعنة وأبناء العراعنة ؟! أين أصحاب مدان الرس؟! وأين عاد وثمود وإرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في
البلاد؟!
Commenter cet article