قال ابن القيّم رحمه الله: ( في القلب شعث لا يملِه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفيه ثلاث حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، وفيه فاقة لا يسدّها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبداً ) انتهى كلامه رحمه الله.
السكينة وطمأنينة النفس ثمرة من ثمار دوحة الإيمان وشجرة التوحيد الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. فتستريح النفس من تعب، وترتوي من ظمأ، وتأمن ولو اشتدّت المخاوف وتوالت الخطرات والهواجس.
الإيمان يقي الإنسان من الأمراض النفسية التي شاعت في المجتمعات البشرية، يقيه من الصراعات الداخلية وما يصاحبها من قلق وتوتّر وخوف وملل واكتئاب ووساوس، تعوق طموحه، وتكبح انطلاقه، وتظلله بسحائب الكرب، وتُهطِل عليه جداول الغموم، فيطول حزنه، ويتّصل قلقه لينقلب صاغراً متحطّماً مهشّماً خاملاً منهزماً في زاوية من زوايا الحياة.
هيّأ الإسلام بتشريعاته للمسلم أمناً نفسياً، فحفظ نفسه من التمزّق والصراع الداخلي، فحصر غايات الإنسان في غاية واحدة هي إرضاء الله تعالى، وركَّز همومه في همّ واحد هو العمل على ما يرضيه سبحانه، ولا يريح النفس الإنسانية شيء كما يريحها وحدة غايتها، ووجهتها في الحياة.
قال
: { من جعل الهموم همّاً
واحداً، همّ آخرته كفاه الله همّ دنياه، ومن تشعّبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبالِ الله في أيّ أوديتها هلك } [رواه ابن ماجه].
إن عقيدة التوحيد منحت المسلم يقيناً بأن لا ربّ يُخاف و يُرجى إلا الله، ولا إله يُجتَنَب سخَطه ويُلتَمَس رضاه إلا الله، قال تعالى:
ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراطٍ مستقيم
[آل عمران:101].
أين هذا من المشرك الذي تعدّدت أربابه وتضاربت وجهاته:
يا صاحبي السجن أأرباب متفرّقون خيرٌ أم الله الواحد القهّار
[يوسف:39].
Commenter cet article