وتعيش بعض النفوس خوفاً مزمناً من قدَر يفاجئها، أو مرض يقعدها، أو بلية تحطمها، تعيش خوفاً وهلعاً على الرزق، على المال، على الذرية، على المنصب، تخاف من الموت فتتهيب من السير في دروب الحياة، وتصاب بالوسواس والهواجس، ويغشاها الجمود والكسل، فتضعف القوى، وتفنى الأجساد، وقد تستعين بالمشعوذين والدجالين والكهنة والسحرة للخلاص من الوسوسة، ودرء الأخطار المحتملة.
إن منهج الإسلام الذي هو عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر والتوكّل على الله قويّ في نفوس المؤمنين، مما يجعل المسلم يطرح عن نفسه أثقال الخوف، قال تعالى:
وفي السماء رزقكم وما توعدون
[الذاريات:22]، وقال تعالى:
إن الله هو الرزّاق ذو القوّة
المتين
[الذاريات:58]، وقال تعالى:
فليعبدوا ربّ هذا البيت (3) الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف
[قريش:3-4]. وقال تعالى:
ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل
أن نبرأها إن ذلك على الله يسيراً
[الحديد:22]. وقال تعالى:
وإن يمسسك الله بضرٍّ فلا كاشف له إلا هو
[يونس:107]. وقال تعالى:
وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين
[الشعراء:80-81]. وقال تعالى:
ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى
[طه:124].
في ظلال الإسلام لا نجد مكاناً للأمراض النفسية، بل حافظ على الصحة النفسية وهيّأ الأمن النفسي، فهذه حقيقة ثابتة وسنّة ماضية منذ أهبط الله آدم وزوجه إلى الأرض، قال
تعالى:
فإمّا يأتينّكم منّي هدىً فَمَنِ اتّبع هدايَ فلا يَضِلُّ ولا يشقى
[طه:123]
تَقوَى الله تكسب الإنسان مثوبة عند الله، وبها تطمئن النفس، قال تعالى:
مَن عمِلَ صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينّه حياةً طيّبة
[النحل:97]. قال ابن
القيّم رحمه الله تعالى: ( وقد ركّب الله سبحانه في الإنسان نفساً أمّارة، ونفساً مطمئنّة، وهما متعاديتان، فكلّ ما خفّ على هذه ثقل على هذه، وكلّ ما التذّت به هذه تألّمت به الأخرى، فليس على النفس
الأمّارة أشقّ من العمل لله، وإيثار رضاه على هواها، وليس لها أنفع منه، وليس على النفس المطمئنّة أشقّ من العمل لغير الله وما جاء به داعي الهوى، وليس عليها شيء أضرّ منه، والملك مع هذه عن يمنة القلب،
والشيطان مع تلك عن يسرة القلب، والحروب مستمرّة لا تضع أوزارها إلا أن تستوفي أجلها من الدنيا، والباطل كلّه يتحيّز مع الشيطان والأمّارة، والحقّ كلّه يتحيّز مع الملك والمطمئنة، والحرب دول وسجال،
والنصر مع الصبر، ومن صبر وصابر ورابط واتقى الله، فله العاقبة في الدنيا والآخرة ) انتهى كلامه رحمه الله.
Commenter cet article